كوفي عنان وتجارة الأمل المفقود

يبدو أن مهمة كوفي عنان في بيع الأمل المفقود لجميع الأطراف في سورية لن تكون سهلة أبدا، خاصة مع الأنباء التي تواردت عن رفض الطاغية لمناقشة مقترحاته لوقف العنف من أجل البدء في الحلول الممكنة لحل الأزمة السورية ، حيث كان الرد المباشر من بشار برفض الحوار مع المعارضة، مفترضا أن أي حوار سياسي أو عملية سياسية لا يمكن أن تنجح ما دامت هناك مجموعات إرهابية مسلحة تعمل على إشاعة الفوضى وزعزعة استقرار البلاد.

موقف بشار هذا مستمد من الموقف الروسي الذي يبدو أنه مازال متصلبا، لكنه يحاول سلوك طريق مشترك مع الجامعة العربية من خلال التركيز على النقاط الخمسة التي خرج بها لتسوية الأزمة السورية، من بينها كما يبدو قرارات الجامعة العربية التي تدعو الأسد إلى ترك السلطة.
وطبعا النقاط الخمس تشكل انطلاقة من خلال تأكيدها على : وقف العنف من أي مصدر كان، و إنشاء آلية رقابة محايدة، واستبعاد التدخل الخارجي، مع إتاحة المساعدات الإنسانية لجميع السوريين بدون إعاقة، و تقديم الدعم الكامل لجهود الموفد الدولي كوفي عنان إلى سوريا استنادا إلى المرجعيات التي قبلتها الأمم المتحدة والجامعة العربية.
ومع أن روسيا مازالت السند الرئيسي لبشار على الساحة الدولية وتمنع مجلس الأمن من إدانته أو اتخاذ أي إجراء ضده، إلا أن موقفها هذا يعتبر تغيرا ذو مغزى.
والجميع طبعا يأخذ بالاعتبار أولويات بان كي مون الثلاثة وهي :"إن أي عنف يجب أن يتوقف سواء أكان من جانب القوات الحكومية أو من جانب قوات المعارضة".
والأولوية الثانية :"يجب أن تكون للتوصل إلى حل سياسي شامل".
والأولوية الثالثة: "التشديد لدى الأسد لضمان وصول المساعدات الإنسانية".
وباعتبار أن بشار مازال يؤمن بالمؤامرة الكونية لذلك فقد طلب "تركيز الجهود على دراسة ما يحدث على الأرض عوضا عن الاعتماد على الفضاء الافتراضي الذي تروج له بعض الدول الإقليمية والدولية لتشويه الوقائع وإعطاء صورة مغايرة لما تمر به سوريا"، حسب زعمه.
في حين أجمعت المعارضة على أنه "لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية قبل وقف إطلاق النار وذبح العائلات ، وتأمين الإغاثات الإنسانية وإطلاق المعتقلين السياسيين وسحب القوات العسكرية من مختلف المدن والبلدات في البلاد".
وطبعا الحركة الدبلوماسية لا تتناسب أبدا مع الواقع المعاش على الأرض السورية، والسباق بين كتائب الأسد والمعارضة لفرض رؤية جديدة تؤسس للمرحلة القادمة من العمل الدبلوماسي ، خاصة مع احتدام وطيس المعركة على أرض إدلب وحوران والفرات وحمص وحماه، وحتى حلب ودمشق العاصمة ، والتي تتكبد فيها كتائب الأسد خسائر فادحة في الأفراد والعتاد.
هذا إذا أغفلنا الجانب الاقتصادي في معركة الإرادات ، والتي يبدو المشهد فيها ليس بأقل ضراوة من المعركة السياسية والعسكرية ، ويظهر هذا جليا في تواصل هبوط الليرة السورية أمام العملات الأجنبية لتصل إلى حدود غير مسبوقة ، مع فقدان المصرف المركزي رصيده من العملات السورية ، بسبب جمعها من قبل أصحاب المصالح كونها العملة الوحيدة الصالحة والمتاحة داخل سورية مقابل العملات التي تم طبعها مؤخرا ، والتي لم تكتسب مصداقيتها في السوق المجاورة، الأمر الذي اضطر الحكومة إلى استخراج مخزونها من العملات المحلية الملغية منذ عشر سنوات تقريبا، لدفع رواتب موظفيها.
و شح أغلب السلع الإستراتيجية من السوق المحلية، و فقدان كميات كبيرة من احتياطي سورية من مادة الفيول ( المازوت).
وهذا الأمر ربما يجعل الأسد يفكر جديا في التقوقع نحو دويلة علوية في الساحل السوري والتي ظهرت بوادرها من خلال المعلومات المسربة عن قيام النظام بإفراغ مخازن الأسلحة في مناطق سورية عدة؛ ونقلها إلى الساحل السوري تمهيدا لما يقولون إنه مخطط لإنشاء دولة علوية فيها.
وهذا ربما يكون نتيجة «النصيحة التي قدمها له رئيس المخابرات الروسية ميخائيل ستراديكوف باستغلال الفرصة واستثمار الوقت المتبقي لديه لإنشاء دولة علوية»، وهذا الأمر إن صح فربما سيدخل البلاد في آتون حرب أهلية قد تطيل بعمره وعمر نظامه بعض الوقت، خاصة مع استمرار دعم روسيا له ، وطبعا هذا التصرف من قبلها يعتبر ردا على توسع النفوذ الغربي باتجاه الشرق لضمان موطئ قدم لها في المنطقة، لا سيما في الساحل السوري الذي تقع فيه قواعد بحرية ودفاعات جوية روسية، بحيث تستخدم المنطقة للمساومة مع أميركا، لا سيما أن روسيا عادت بخفي حنين من ليبيا ».
 وتفيد التقارير الاستخباراتية للجيش الحر، والمعلومات المقدمة من وحدات الأمن والاستطلاع التابعة لها أن «حدود هذه الدولة ستشمل الخط الممتد من الحدود اللبنانية مرورا بحمص التي يجري فيها أعمال تطهير وإبادة جماعية، حتى جسر الشغور المحاذية للحدود التركية وذلك نظرا لوجود العلويين في أنطاكيا واسكندرون (جنوب تركيا) وهم المؤيدون للنظام السوري والمدعومون منه ماليا ولوجستيا، مرورا بالمناطق الواقعة غرب مدينة حماه وسهل الغاب وستكون حدود جبل الزاوية الحدود الشرقية للدولة حتى الشريط الساحلي على البحر غربا والتي ستشمل محافظات اللاذقية وطرطوس".
حيث «تم التأكد من صحة هذه التقارير الواردة في هذا الإطار ، والتي أفادت أن النظام قام بتهجير البلدات الواقعة على الخط المذكور وهي بلدة التريسا، حلفايا، تيزين، خنيزر، كفر انطون، ومحاولة تهجير باقي البلدات الواقعة على نفس الخط الذي يقع تحت القصف المدفعي اليومي والمحاصرة بالدبابات وراجمات الصواريخ وهي بلدات شيزر، الجبلة، الجديدة، قرناز حيالين وبريديج».
وأشار النقيب الواوي في هذا السياق، أن «التقارير تشير إلى قيام النظام بإفراغ الكثير من مستودعات الأسلحة وشحنها على مدى أسبوعين باتجاه المنطقة الساحلية». بالإضافة إلى أن كميات كبيرة من القمح المخزنة في المنطقة الشرقية تم نقلها إلى المنطقة الساحلية مما يدل على النية المبيتة للنظام بالتفكير والإعداد عمليا لهذه الأفكار المجنونة».
وهذا ما يفسر التعتيم الإعلامي على عمليات الجيش الحر في ريف دمشق والمنطقة الجنوبية هذه الفترة ، والتركيز على تلك المناطق .
لكن دمشق بشعبها الأبي سوف يقلب الطاولة على هذا الطاغية إن شاء الله،  فهذه تباشير الحق تهتز و تملأ النظام الأسدي هلعاً و رعباً , و دوي الحقِ يعلوا في سماء قاسيون , لينقضّ على هذا الحاكم السفاح , و لم تبقى سوى آخر صرخة للضباط  الشرفاء لكي لا يبقوا مكانهم وراء الطاغية؛ فنهايته أصبحت وشيكة، و حان الوقت ليتخذوا من صمتهم موقفاً واحداً.
فالأسدُ و نظامه سيطاح بهم شاءَ العالم أم أبى،  و آخر ورقة لبقائه هو كوفي عنان و لن يستطيع بيعه الأمل المفقود ، فالشعب قرر وهو ماض في مسيرته شاء كوفي أم أبى وشاءت روسيا أم أبت ؛ وشاء العالم أم أبى ؛ نحن من يدفع ثمن إزالة هذا الطاغية ، ونحن من سيجني ثمار المعركة ، ولن تفيد العصابة الأسدية التقوقع في الجبال مهما كان الثمن .
الدكتور حسان الحموي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق