الحرس الجمهوري وكيس بزر

نستمع يوميا في نشرات الأخبار إلى خبر عابر مفاده قيام الجيش السوري بعمليات دهم وتفتيش ويتكرر هذا الخبر على مسامعنا عشرات المرات حتى ألفناه وأصبح من يوميات الثورة التي لا نلقي لها بالاً، إلا أن ما يجهله الكثيرون بأن عمليات الدهم والتفتيش هذه بحقيقتها هي عمليات نهب وتشليح تقوم بها فرق الجيش الأسدي وشبيحته الذين تدربوا على ذلك خلال عمر الثورة، ولتوضيح ذلك أسرد لكم قصة صديقي من دوما.
 
فكما نعلم فإن مدينة دوما تشهد انتشار للحرس الجمهوري فيها منذ زمن طويل وهذه الفرقة تعد من نخبة الجيش الأسدي، وبالعودة لصديقي الذي هو دوماني الأصل فقد اشترى قبل الثورة منزلاً جديداً في دوما ولكن طبيعة عمله وسفره تفرض عليه تركه لفترات طويلة، خاصة أنه له منزل آخر خارج دوما ومع بدء عمليات الجيش في دوما أصبح يغيب كثيراً عنه.
أما تفاصيل عملية الجيش الأسدي فهي كما يلي: اقتحم الحرس الجمهوري البطل البناية الذي يسكن فيه صديقي وكان هو وعائلته خارج المنزل وقاموا بعمليات نهب وتشليح سريعة لمنازل جيرانه قبل أن يصلوا إلى بيته وعندما طرقوا الباب ولم يفتح أحد سألوا الجيران، أين هم سكان البيت فأجابوهم بأنهم مسافرون، هنا والكلام لأحد الجيران لمعت عيون الجنود الجشعان فقد وقعوا على فريسة دسمة فقاموا فورا بطرد الجيران من أمام المنزل وأمروا زملائهم بترك البناية كلها والتفرغ للصيد الثمين، ألا وهو منزل فارغ.
وبسرعة استخدمت قوات الحرس الجمهوري أسلحتهم الفتاكة الروسية والإيرانية في إطلاق النار على قفل المنزل وما هي إلا ثواني وأصبحوا داخل الشقة، ووقفوا مشدوهين من روعة ما شاهدوا: منزل جميل مؤثث بكل شيء تقريباً، وصاحبه ممن أنعم الله عليهم لم يبخل على بيته بشيء من الضروريات والكماليات والتحف والكهربائيات.
وفوراً بدأت عملية النهب والتشليح للمنزل مستفيدين من غياب صاحب البيت عن بيته وتغافله عن ممتلكاته فبداية تم نهب ما خف وزنه وغلا ثمنه من تحف وأدوات كهربائية ثم انتقلوا إلى الأثقل والأقل جدوى مثل التلفزيونات والكهربائيات الثقيلة، وطبعاً باعتبارهم من الحرس الجمهوري وهم ممن تربوا تربية جيدة ويتمتعون بأرقى صفات الجيش وانضباطه فلم يقوموا بتكسير محتويات المنزل الباقية ولم يقوموا بوضع الرمل والتراب في الغسالة الكهربائية التي لم يستطيعوا سرقتها ولم يقوموا بإضرام النيران في المنزل بعدما انتهوا من نهبه، وقد أوضح لي أحد الجيران بأن عملية السرقة تمت بمنتهى الاحترافية والكفاءة حيث لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق تم خلالها إخراج ما يقارب 7 حقائب سفر كبيرة وطبعاً لم يلتفت جنود الأسد إلى أحد من الجيران أو توسلاتهم كما أنهم لم يلتفتوا أبداً إلى بيوت بقية الجيران، فبيوت الجيران مليئة بالنساء والأطفال والدخول إليها سيؤدي لمشاكل معهم وقد يستدعي الأمر تدخل الجيش الحر وهذا ما يخشاه قوات الحرس الجمهوري، لذلك آثروا الصيد السهل الثمين.
أما ما يبعث على الدهشة والضحك فهو أن جنود الأسد بعدما انتهوا من عمليتهم التكتيكية ونزلوا لمصفحتهم تخلف واحد منهم عن اللحاق بهم ثم أدركهم على الدرج يمشي بهدوء وقد أسند كيس بلاستيك أبيض إلى صدره وهو يأكل منه بنهم ويتمتم (بحياتي ما دقت مثلهم) وكان منظره مدعاة للضحك والسخرية من رفاقه في السلاح قبل الجيران والمارة.
وعندما سألت صديقي عن كيس البلاستيك الأبيض، أجابني بأنه بعض البزر (المكسرات) من الصنف العادي (وليس الممتاز) اشتراها منذ فترة ووضعها في المنزل.
وللأمانة أقول أن هذه الحادثة تعد من أرقى وأفضل عمليات النهب والتشليح، فعلى الرغم من أن المسروقات من منزل صديقي بلغت حوالي المليون ليرة سورية، ولكن ليس هناك من شهداء أو جرحى خلال عملية قوات الأسد وليس هناك اغتصاب لحرائر أو نزع حجاب أو قطع يد امرأة لأخذ أساور الذهب من يدها، كما أن قوات الأسد لم تكسر البيت أو تحرقه بعد أن فرغت من عملياتها، باختصار هذه العملية مثال للرقي والحضارة في تعامل الجيش الأسدي مع المواطنين السوريين، اقتحام سريع، سرقة تكتيكية، إفراغ للمنزل بسرعة.
وعند الاستفسار عن سر السرعة في العملية، كان الجواب أن قوات الحرس الجمهوري وبحكم انتشارهم في دوما خاصة وريف دمشق عامة فقد أصبح عندهم خبرة في عمليات النهب والتشليح عفواً الدهم والتفتيش حيث تم مداهمة ربع منازل دوما على أقل تقدير، وطبعاً أي عملية مداهمة يجب ألا تقل حصيلتها عن 25 ألف ليرة سورية، وإلا فإن المداهمة خاسرة.
كما أنهم تعلموا من أخطاء من سبقهم بأن حرق المنازل وتخريبها بعد المداهمة يعني انتقام عناصر الجيش الحر منهم، ولذلك فإنهم يقومون بعملية المداهمة بدون إثارة الرأي العام ضدهم، أي سرقة فقط بدون حرق وتكسير وتخريب.
وأهم ما تعلمته كتائب الأسد من عمليات المداهمة في الريف بأن الجيش الحر قد يصل لأرض المعركة في أي لحظة وعندها ستدور اشتباكات الخاسر فيها هم عناصر الأسد لأنهم لا يجيدون استخدام السلاح إلا على الأهداف الثابتة والقريبة (مسافة 3 أمتار فأقل) فعلى الرغم من أن مخازن أسلحتهم مليئة ولديهم الكثير من السلاح والذخيرة ولكنهم لا يشعرون بالأمان ولا حتى في فروع الأمن أو مراكزهم الأمنية أما مصفحاتهم فقد باتت أهدافاً سهلة للجيش الحر، لذلك فإن عملية النهب لأي منزل حتى لو كان مليء بالذهب مثل مغارة علي بابا يجب ألا يستغرق أكثر من ثلاث دقائق بعدها يهرعون لمصفحاتهم فوراً وينسحبون قانعين بما قسم الله لهم من غنائم وإلا كلفهم ذلك حياتهم، وهذا ما يقومون به وأجادوه فعلاً بحكم الممارسة العملية.
أما ما تعلمه صديقي (ولو بعد فوات الأوان) ويجب تذكير الجميع به فهو عدم ترك المنزل فارغ وفي حال الاضطرار لترك المنزل إعطاء المفتاح للجيران كي يخبروا الجيش الأسدي بأن المنزل لهم عند أي عملية اقتحام وبالتالي تكون الخسائر أقل بكثير.
أما بالنسبة للجندي المغوار الذي غنم كيس البزر (المكسرات) فأترك للقارئ العزيز تقدير شجاعته وبطولته والتي لا أستطيع بمقالي البسيط هنا إعطائه حقه من التبجيل والتكريم لشجاعته النادرة وبطولته الفذة.

هناك تعليقان (2):

  1. لعنة الله عهيك حماة للوطن وربي يقصف اجلهم واجل البطة عن قريب

    ردحذف